ابن هشام الأنصاري

201

شرح قطر الندى وبل الصدى

و « الاستفهام » ، كقولك : « علمت أزيد قائم » ، وكذلك إذا كان في الجملة اسم استفهام ، سواء كان أحد جزءي الجملة ، أو كان فضلة ؛ فالأول نحو قوله تعالى : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى « 1 » ، والثاني كقوله تعالى : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ « 2 » ؛ فأيّ منقلب : منصوب ب ( ينقلبون ) على المصدرية ؛ أي ينقلبون أيّ انقلاب ، و « يعلم » معلّقة عن الجملة بأسرها ؛ لما فيها من اسم الاستفهام وهو أي ؛ وربما توهّم بعض الطلبة انتصاب « أيّ » ب ( يعلم ) ، وهو خطأ ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام ، فلا يعمل فيه ما قبله . وإنما سمي هذا الإهمال تعليقا ، لأن العامل في نحو قولك : « علمت ما زيد قائم » عامل في المحل ، وليس عاملا في اللفظ ، فهو عامل لا عامل ، فشبّه بالمرأة المعلّقة التي هي لا مزوّجة ولا مطلّقة ، والمرأة المعلقة : هي التي أساء زوجها عشرتها . والدليل على أن الفعل عامل في المحل أنه يجوز العطف على محل الجملة بالنصب كقول كثيّر : « [ 74 ] » - وما كنت أدري قبل عزّة ما البكى * ولا موجعات القلب حتّى تولّت

--> - الشاهد فيه : قوله « علمت لتأتين منيتي » حيث وقع الفعل الذي من شأنه أن ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر - وهو علمت - قبل لام جواب القسم ، فلما وقع ذلك الفعل في هذا الموقع علق عن العمل في لفظ الجملة فلم ينصب طرفيها ، ولولا هذه اللام لنصب هذا الفعل المفعولين البتة ؛ فكان يقول : ولقد علمت منيتي آتية ، بنصب منية نصبا تقديريا على أنه المفعول الأول ، ونصب آتية نصبا ظاهرا على أنه المفعول الثاني ، ولكن وجود اللام منع من وجود هذا النصب في اللفظ ، وجعله موجودا في التقدير ، والدليل على وجوده في التقدير أنك لو عطفت على محل جملة « لتأتين » لعطفت بالنصب ، وسيأتي إيضاح ذلك في الكلام على الشاهد الآتي ( رقم 74 ) إن شاء اللّه تعالى . ( 1 ) من الآية 71 من سورة طه . ( 2 ) من الآية 227 من سورة الشعراء . ( [ 74 ] ) - هذا البيت من كلام كثير بن عبد الرحمن ، الذي اشتهر بكثير عزة ، لكثرة ما كان يتغزل فيها ، وقد أنشد الأشموني هذا البيت في باب ظن وأخواتها ( رقم 338 ) والمؤلف في أوضحه ( رقم 188 ) وفي شذور الذهب ( رقم 187 ) وفي مغني اللبيب ( رقم 668 ) . اللغة : « أدري » أعلم « عزة » اسم امرأة كان الشاعر يحبها « موجعات » جمع موجعة ، وهي المؤلمة . المعنى : يقول : قبل أن أعرف عزة وأهواها لم أكن أعرف البكاء ؛ لأنه لم يكن بخاطري ، ولم أكن -